قالت الإذاعة الألمانية دويتشه فيله إن الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل  وإيران دفع مصر، القوة الإقليمية الكبرى، إلى معضلة دبلوماسية واستراتيجية.

 

وأضافت أن مصر ليست فقط حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة ودول الخليج- فهي من الدول الموقعة على اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل- بل كانت أيضًا على وشك استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إيران في أوائل عام 2026.

 

وأشارت إلى النهج الحذر الذي انتهجته مصر منذ اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، وما تلاها من هجمات شنتها طهران على دول الجوار، وتمثل ذلك في إدانه تلك الهجمات علنًا مع تقديم دعم عسكري محدود، وسعت إلى ترسيخ دورها كوسيط بين طهران وواشنطن، بالتوازي مع جهود مماثلة تبذلها باكستان وتركيا وقطر، كما زار (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي الإمارات العربية المتحدة في مايو.

 

وذكرت ميشيل بيس، محللة شؤون الشرق الأوسط والباحثة الزائرة في جامعة أكسفورد، أن السيسي ينظر إلى الصراع في المقام الأول على أنه تهديد للاستقرار الداخلي، موضحة أن "الهدف الأساسي لمصر هو البقاء خارج الحرب مع إيران مع احتواء تداعياتها الاقتصادية والأمنية".

 

إلا أن هذا النهج تسبب في توترات مع شركاء مصر في الخليج، الذين يتوقعون الدعم من حلفائهم في مواجهة الهجمات الإيرانية على أراضيهم ومصالحهم وأصولهم، كما صرح تيموثي إي. كالداس، نائب مدير معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط ومقره واشنطن.

 

وقال: "لا توجد تصريحات دقيقة للغاية تصدر بشكل خاص من الإمارات العربية المتحدة تشير إلى الإحباط والغضب تجاه مصر".

 

فعلى سبيل المثال، كتب أنور قرقاش، مستشار السياسة الخارجية لرئاسة الإمارات العربية المتحدة، مؤخرًا على منصة "إكس"، أن "دول الخليج العربي كانت سنداً وشريكاً للجميع في أوقات الرخاء... فأين أنتم اليوم في هذا الوقت العصيب؟"، فيما يرى المحللون الإقليميون أن التصريح كان موجهًا إلى القاهرة. 

 

التبعية الاقتصادية


وبحسب التقرير، فإن مصر، الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان والتي يبلغ تعدادها حوالي 120 مليون نسمة، تعاني أيضًا من التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران. فبعد أن استأنفت ميليشيا الحوثيين، المدعومة من إيران، في اليمن هجماتها على السفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب دعمًا لإيران، انخفضت حركة الملاحة عبر قناة السويس. وأظهر تحليل حديث أجرته مجموعة الأزمات الدولية أن إيرادات القناة انخفضت بنسبة 38% في الربع الأول من عام 2026.

 

وجاء في التحليل: " إن الحرب تضر بالاقتصاد الذي كان يُظهر علامات أولية على التعافي من ركود جائحة كوفيد-19 وعواقب الحروب في أوكرانيا وغزة ".

 

وقال وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، الأربعاء، إن مصر تمكنت من خفض المتأخرات المستحقة لشركاء النفط والغاز من حوالي 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 إلى الصفر في يونيو 2026.

 

وأشار معدّو التقرير إلى أن الانتعاش الاقتصادي الذي أعقب سنوات من الأزمة الممتدة كان مدفوعًا إلى حد كبير باستثمارات دول الخليج. وذكر تحليل مجموعة الأزمات الدولية أن "المملكة العربية السعودية والكويت أودعتا 5.3 مليار دولار و4 مليارات دولار على التوالي لدى البنك المركزي المصري، بينما ضخت الإمارات العربية المتحدة 35 مليار دولار في البلاد من خلال صفقة استحواذ عقاري ضخمة، والتزمت قطر باستثمار 29.7 مليار دولار في صفقة عقارية هائلة أخرى". 

 

كما ساهم البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في استقرار الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.

 

والآن، يبدو أن الوضع يزداد سوءًا مرة أخرى. لم تنخفض إيرادات قناة السويس فحسب، بل تراجعت السياحة أيضًا، وارتفعت أسعار الطاقة والغذاء، كما يرصد التقرير.

 

وأشار كالداس إلى أن دول الخليج نفسها تواجه خسائر اقتصادية كبيرة وتكاليف باهظة : يجب إصلاح المباني والبنية التحتية المتضررة، وتجديد الذخائر، وتوسيع القدرات الدفاعية".

 

وقال:  "إن توافر الدعم المالي، حتى لو أرادوا تقديمه، قد يتعرض لضغوط، بخاصة بالنظر إلى أن مصر ستتنافس مع احتياجات إعادة الإعمار في لبنان وسوريا وغزة".

 

الضغوط الدبلوماسية


في غضون ذلك، تُمارس الولايات المتحدة ضغوطًا دبلوماسية متزايدة على مصر. فقد أفادت وكالة رويترز في 25 مايو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرّح بأنه طلب من السعودية وقطر وباكستان ومصر وتركيا والأردن الانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وذلك في إطار مساعيه لحشد الدعم لاتفاق محتمل يشمل إيران.

 

 في عامي 2020 و2021،  قامت الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام. أوقفت السعودية المفاوضات بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلته في غزة، واشترطت وجود مسار لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ووقّعت مصر والأردن معاهدتي سلام مع إسرائيل عامي 1979 و1994 على التوالي.

 

يرى كالداس أن مساعي ترامب الأخيرة للتطبيع هي بمثابة محاولة يائسة لادعاء تحقيق نوع من الإنجاز في الصراع الإيراني.

 

وقال: "مصر قلقة أيضًا بشأن الموقف العدائي للإسرائيليين في المنطقة، لذا فإن تقديم أي نوع من الدعم الدبلوماسي الإضافي لهم ليس بالتأكيد شيئًا ترغب الحكومة المصرية في القيام به في هذا الوقت".

 

وتدهورت العلاقات  بين مصر وإسرائيل منذ حرب غزة. وقد صرّحت إسرائيل مرارًا وتكرارًا برغبتها في نقل ملايين الفلسطينيين في غزة إلى مصر.

 

علاوة على ذلك، حذرت ميشيل بيس من أن القاهرة تخشى أيضًا من انهيار إيران بشكل كامل: "هذا من شأنه أن يعزز الهيمنة الإقليمية لإسرائيل"، مضيفة أن كل هذا يحد من الاستقلال الاستراتيجي للقاهرة ويدفعها نحو الدبلوماسية البراغماتية بدلاً من المواجهة.

 

حملة قمع المعارضة السياسية


وفي الوقت ذاته، أشار كالداس إلى أن القاهرة بحاجة أيضًا إلى مراعاة السخط الشعبي، لافتًا إلى أن "جزءًا كبيرًا من الرأي العام المصري يقف إلى جانب إيران في هذه الحرب ويرى أنها الطرف المظلوم".

 

وبالنسبة للسيسي، هذا يعني "عدم المخاطرة كثيرًا في الدفاع عما يعتبره معظم المصريين عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا على إيران".

 

ومع ذلك، لا تزال مظاهر المعارضة العلنية محظورة. فمنذ اندلاع حرب غزة، قامت الشرطة بتفريق بعض المظاهرات واعتقال المشاركين فيها.

 

وحذرت سارة ليا ويتسون، المديرة السابقة لمنظمة "داون" لحقوق الإنسان، من أن الصراعات الأخرى في الشرق الأوسط سمحت للحكومة المصرية بتجنب التدقيق في سجلها المؤسف في مجال حقوق الإنسان.

 

وقالت: "لا يزال الآلاف يقبعون في السجون ظلمًا في محاكمات صورية؛ ويُحتجز العشرات من الصحفيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، بينما يواجه آلاف آخرون اتهامات جديدة في قضايا إرهاب جماعي". 
وأضافت: "لقد توسعت سلطة الجيش بشكل كبير، حيث بات يتمتع بنفس صلاحيات الاعتقال والمحاكمة التي تتمتع بها وزارة العدل تجاه المواطنين العاديين".

https://www.dw.com/en/egypts-delicate-balancing-act-in-the-iran-war/a-77506331